رؤية ثقافية

اللغة وتداعياتها في ( صديقة البحر * ) للشاعر
هنري زغيب – قراءة الإبداع



د. حسناء بنت عبد العزيز القنيعير

بادئ ذي بدء نتساءل عما يشعل قصيدة الحب ، وعما يبعث الارتعاشات في مفاصلها ؟ أهي اللغة ، أم لحظة تدفق المشاعر والأحاسيس .

لا ريب أنها لحظة التدفق الشعوري التي تنبثق من تلاقح اللغة والإحساس ، تلك اللحظة التي تحمل المبدع على التحليق في سماوات منفتحة على فضاءات حبلى بكل ما هو جميل ، فتجعل النص نصوصاً .

يشرع في كتابة النص تلبية لرغبة صديقة البحر :
تسألني
أن أكْتـُبَها
أن أكْتـُبَني
أن أكْتـُبَنا
وها إنني أكْتـُبُ .

يفتتح النص بابتهال العاشق : ( أتهيأ لاستقبالك بي ، لا يليقُ أن تدخلي سمائي وفي بيتي بقايا بخور ومجامر) .

إنه حلم العودة إلى النقاء والتطهر ، وإلى بكارة الكينونة وعذريتها ، لهذا يصدح قائلاً:
(لا يجمل بي لقائيكِ وأنا لم أتطهـرْ تماماً بعدُ
من أصداء الخيالات ونداءِ الأطياف )

ويعود العاشق المبتهل إلى المكاشفة والبوح والتعري بين يدي اللحظة :
( أريدُ فجري إليكِ بريئاً من كل شمس
أو لا أكونُ مستحقاً ولا مستاهلاً
أن يلمسني نقاءُ تاجكِ )

وعندما يبلغ النص نهايته تتشظى نفس العاشق بين يدي المعشوقة فيصيح معترفاً :
( قبلها كنتُ أعيشُ
مذ هي صرتُ أحيا
بها ابتدأت حياتي الحقيقية
وبين يديها تنتهي ) . إنها جدلية الما قبل والما بعد .

ثم تعود نفس الشاعر إلى الالتئام والتوحد في المعشوقة ، فيعلن :
( ويا حبيبتي .... يا صديقة البحر
أنت دمي حتى آخر كلمة من دمي
فأشهدي أني وفيت
في أول ( نحن ) سألتني
أن أكْتبُـَك
أن أكْتبُـَني
أن أكْتبُـَنا
وها إني كتبتُ )

يقوم الديوان كله على سرد العلاقة الحميمة بين الشاعر وصديقة البحر ، بكل تفاصيلها القائمة على التواؤم والانسجام إلى الحدّ الذي غابت فيه عن الديوان لغة السخط والبكاء ، بما يكشف عن مشاعر مرهفة وواثقة لا تعاني أزمات في العلاقة مع الآخر ، تلك العلاقة التي تتعرض لكثير من التشويه بسبب عدم نضج الرؤية والقصور عن إدراك أبعادها .

إن من يقرأ ( صديقة البحر ) يخال نفسه في حديقة ملأى بكل ما جادت به الطبيعة من ورد ،

وأزهار ورياحين وزنابق ، حديقة قام على تنسيقها فنان مبدع ، قسمها إلى حقول ، فزاوج بين الورد والزهر ، وجانس بين الريحان والزنبق ، فمزج الألوان وراعى تناسقها ، ولم ينس المياه فأجراها في جداول ، وأسالها رقراقة فوق الصخور .

هذا هو حال ( صديقة البحر ) مهرجان من الصور الراقصة ، واللوحات الزاهية ، والسيمفونيات الحالمة ، كل ذلك عبر تفجير اللغة ، وبعثها نابضة بالحياة متجددة باقتحام معاقلها الحصينة ، لِتَجَاوزِ المألوفِ ومفاجأةِ المرجعية السائدة دونما إخلال بإيقاعها وحركتها وإشعاعها ، غير إنه تجديد يستفز مكامن التقليدية التي تنفر من القطيعة مع المعيارية الصارمة .

( صديقة البحر ) حكاية حبّ عاشها الشاعر المبدع هنري زغيب ، فصاغها نثر حبّ كما قال في مفتتحها ، وأراها شعراً منثوراً ، فإن لم يكن الشعر هذه الاحتفالية اللغوية والتعبيرية والغنائية ، فماذا عساه أن يكون ؟ !

يسعى الشاعر منذ البدء إلى اعتلاء صهوة اللغة ، وتطويعها أداةً للتعبير والتفكير والتأمل والغناء والحلم ، فلا عجب أن ولدت ( صديقة البحر ) من رحم هذه الجدلية ، أعني جدلية العلاقة بين الشاعر واللغة .

يأتي النص كلّه وحدةً واحدة ، حيث لا عنوان إلا ( صديقة البحر ) ، فليس ثمة عناوين داخلية تقطع لحظة التدفق الشعوري ، وكأنه لا يريد للقارئ أن يقف تلك الوقفات التي يقفها عند قراءته الدواوين التي تستقل فيها كل قصيدة بنفسها ، وحرصاُ منه على تواصل أجزاء النص ، فإنه – وقوفاً عند رغبة صديقة البحر – يبدأ كل ( قطعة ) بالكلمة التي انتهت عندها ( القطعة ) السابقة ، من ذلك قوله :
هي التي جاء دورة هذه الحياة
ليولد من جديد
و... يحياها

ثم يقول في مطلع القطعة التالية :
يحياها ...
بكل أعصابه وأعماقه
يحياها
بقدر ما أوتي من طاقة
على اقتبال نعمة الحب

يتجاذب النص خطابان ، خطاب سردي يأخذ نسق الحكاية ، لكنه ليس مجرد سرد حكاية رجل وامرأة ، بل هو سرد تجربة شعورية في أصلها . ويأتي بهذا الخطاب في نبرة تقريرية يحكى بها علاقتة بصديقة البحر .

ويعول الشاعر في هذا الخطاب على لغة الصوفيين ، إذ كثرت المفردات المستمدة من معجمهم ، انظر إلى قوله :
يتحدانِ في جسد واحد
لا بقاء فيه ، بل جسرًا لا بدّ منه للعبور
ولا بدّ من عبوره لبلوغ الروح
فالجسدُ الوسيلة ... والوصولُ الروح
والجسدُ إلى الآن ... والروحُ إلى كلّ آن

ويشير هذا التناصّ الذي يقيمه الشاعر مع اللغة الصوفية إلى بعض مرجعياته التي تشكلت على أساسها لغته ورؤاه الجمالية ، إلى الحد الذي تجلت في بعض مفاصل النص خصوصية صوفية تقوم على حلول العالم الأكبر ( المرأة ) في العالم الأصغر (الرجل) حلولاً صوفياً ، استمع إلى قوله :
أيتها الشمسُ الناشبةُ
وأنا لظلُ المائلُ يستقي ويحمد
أيها النبعُ ...
وأنا القطرة ُالعائدةُ من دورةِ السحابِ
أيتها البحرُ
وأنا النهرُ اللهيفُ إلى الالتحامِ فالذوبان
أيتها القصيدة
وأنا الكلماتُ تسعدُ بالتشكلِ

ويتخلل الخطاب الأول خطاب آخر يكسر رتابة السرد ، في شكل غنائية قوامها ابتهالات وضراعات ، يتوجه بها كل واحد منهما إلى الله ، ليحفظ الثاني ويبقيه متوحداً في الآخر ، في صورة أقرب ما تكون إلى أدعية المتصوفة ، بما يلون النص ويفتحه على عوالمهم وفضاءاتهم ، استمع إلى قوله على لسان ( صديقة البحر ) :
( يا رب ّ
أناديك بجميع صوتي
وبآخر قطرة حبٍ في عروقي
أحفظ حبيبي
بالسلامة احفظُه وبريان السنين ) .

ينسج الشاعرُ لغةً جديدة يستلها من المعجم اللغوي العام ، ثم يعيد تشكيلها وبعثها بعثاً جديداً بما يوافق رؤاه وتصوراته للكون والحياة والمرأة والحب ، لهذا يتجاور في النص المعجم الصوفي والمعجم المستل من الطبيعة ، حيث يحيل هذا المعجم إلى الطبيعة البكر في أصل تكوينها ، كما يحيل إلى محمولها من رؤى ومشاهد وأصوات .

وتشير الحقول الدلالية المسيطرة على النص إلى مثول حقل الماء ،والنبات ، والنور ، والظلام ، والنار ، واللون ، والصوت ، والزمن ، والنوم ، والجسد بكثافة وذلك يتضح فيما يلي :
الماء : البحر ، الموج ، الشاطئ ، الجَزْر ، النهر ، المطر ، الغيوم ، النبع ، السحاب ، الثلج ، الندى ، البرد ، روافد ، سواقٍ ، ، شرب ، ارتشاف ، ذوق ، عذوبة .
النبات : الشجر ، الثمرة ، الشروق ، الصحو ، الشعاع ، القمر ، السنا، التوهج ، الألق ، الومض ، القناديل ، الشموع ، يلتمع .
الظلام : الليل ، المساء ، العتمة ، الظلال ، دغشة .
الحرارة : نار ، بركان ، جمر ، حريق ، لهب ، اشتعال ، توهج ، دفء ، بخور ، مجامر .
اللون : الأبيض ، خضرة ، زرقة ، حمرة ، وردي .
الصوت : الهدير ، الصراخ ، الجهر ، الضجيج ، السكوت ، الصمت ، الأنين ، الهمس ، البوح ، السكينة ، الهدوء ، السمع ، الزحام ، الموسيقى ، الإيقاع .
الزمن : الدهر ، السنة ، الشهر ، تشرين ، نيسان ، اليوم ، الفجر ، الصباح ، النهار ، الظهر ، الساعة ، الدقيقة ، الثواني .
النوم : النعاس ، الإغفاء ، الحلم ، الصحو ، اليقظة .
الجسد : الرأس ، الوجه ، العينان ، الجفنان ، الشفتان ، الأذنان ، الذقن ، الصدر ، اليدان ، القدمان ، القلب ، الدم ، العروق ، الشرايين .

وتشكل مفردات هذه الحقول بعدين متوازيين ، الأول بعد حركي يتولد عن حياة النهار بكل ما فيها من صخب وضجيج ، والبعد الثاني بعد سكوني تولده حياة الليل ، ويأتي نتيجة حتمية للبعد الأول حيث النهار يؤذن بالرحيل فتبدأ خيوط الظلام تتسلل إلى الكون حتى يسدل الليل أستاره ، ويحكم قبضته على كل شيء وتبدأ الكائنات عندها بالخلود إلى الراحة والدخول في عمق السكون . تسكت المدينة وتظلم فيأخذها النعاس إلى رحابه ثم تنام .

أما الحقول الدلالية ذات الصلة بالمعاني المجردة ، كالمقدس ، والوعي ، والحب ، فحضورها لا يقل عن حضور حقل الطبيعة ،ولقد حصرنا مفردات هذا الحقل فيما يلـي :
المقدس : الإله ،الملائكة ، الصلاة ، الإيمان ، الركوع ، العبادة ، الخشوع ، الرحمة ، التوبة ، الشفاعة ، الطواف ، الطاعة ، الأدعية ، الفردوس ، الانصياع ، الندامة ، النساك ، الشك ، اليقين ، الطمأنينة ، الغفران ، السعادة ، الرضا .
الوعي : التفكير ، الذاكرة ، الغيبوبة ، الدوار ، الذهول ، الغفلة ، الانصعاق ، الانسحار ، الهذيان ، الانخطاف ، الجنون .
الحب : العشق ، الوله ، الهيام ، الشوق ، اللهفة ، الانتشاء ، الاشتهاء ، الرجفة ، النبضة ، الرعدة ، الرعشة ، الشهقة .
تتوزع كلمات هذا الحقل في النص حتى تبدو أساس قوته وأصل ترابط أجزائه وتصاعد أنفاسه للحد الذي ما كان له أن يبلغ هذا التواصل الحميمي دون وجودها . هذه الكلمات التي تجعلنا نكرر التساؤل الذي طرحناه في مطلع القراءة ونحن تحت وطأة الدهشة ، ما الذي يشعل قصيدة الحب ويبعث الارتعاشات في مفاصلها ؟ !

يقوم النصّ على الثنائية ، ثنائية الذكر والأنثى التي أنبثق عنها كثير من الثنائيات المتقابلة والمتضادة في مستوى الواقع وفي مستوى الخيال . وسأكتفي بالوقوف على الثنائيات المتضادة لا في مستوى المفردات بل في مستوى التركيب ، ذلك الذي أضفى على النص بعداً فنياً عميقاً بخلق معادلات موضوعية وشعورية لما استقر في وعي الشاعر ووجدانه من أحاسيس متناقضة قبل وبعد ( صديقة البحر ) ، وبما يثبت في يقينه من رؤى كونية ووجدانية متضادة ، تأمل قوله :

( ذاكرته القديمة – وجهها الجديد ) ، ( هاربة من كل الأحلام – عاشقة كل الأحلام) ، ( تحجر على البوح – تضوع منها حميم البوح ) ، ( آسنا في محطة الكلام – يركض في الكلام ) ، ( صباحاتنا المفتحة بهمسه – ليالينا التي يغلفها همسه ) ، (الماضي المجرح بانتظارها – الحاضر المضمّخ بوجودها ) ، ( كانت هاربة من كل الأحلام – باتت عاشقة كل الأحلام ) ، ( يعيشها بين الثانية وشهقة الثانية – ينتظرها بين الصحراء والصحراء ) ، ( أنا حدودي الكلمة – وأنت الأبجدية لا حدود لها ) ، (عتم ما كان – نور ما سيكون ) ، صحراء التشرد – أمان الإقامة ) ، ( حرارة التوتر – عذوبة الهدوء ) ، ( من جمر الأعصاب المشدودة – إلى زنبق الإيقاع المتوازن ) أكسبت هذه الثنائيات المتضادة الألفاظ طاقة تعبيرية كبيرة أغنت النص وأثرته عبر المراوحة بين

الضديات بما أضفى على المعنى عمقاً ، وله تثبيتاً من خلال الوقوف على المعنى الماثل في الضد

كما أكد هذا الجدل الدائر بين الثنائيات المتضادة داخل جسد النص حضور الحياة ومثولها بكثافة في الإنسان وفي الكائنات وفي الكون قاطبة ، هذه الحياة قد سرت في أوصال الشاعر ومن خلال ( صديقة البحر ) التي جاءت حبلى بكل محمول الحياة من مفردات ، فعملت على إشاعتها أينما حلت ، وكان كيان الشاعر مسرحاً لها .

خصائص الأسلوب :

تتوزع جسد النص جملة من الأفعال ، والأسماء ، والضمائر ، وحروف الجر: - يفتتح النص بالفعل المضارع في قوله : ( تأتي من اشتياق الضوء للضوء ) وهي بداية لها دلالاتها ، فالإتيان مستمر في الحاضر ممتد إلى المستقبل ، حيث الضوء في تواصل مع الضوء والتحام به لا يحده زمن ، ولا تحصر تدفقه صيغة .

- يقوم برصد حالات تماهي ( صديقة البحر ) في العشق معتمداً على جملة من الأفعال المضارعة التي تتوالى دون أن يفصل بينها حرف عطف : يتجددُ – تشرقُ – تفتحُ – تحققُ – تباركُ – يوقفُ – يتحدان .
في سياق الأمر والدعاء يعول كثيراً على المضارع المسبوق بلام الأمر نحو : فلترتفعْ – وليضعْ – ولتصاعدْ – ولتساقط ْ– وليتطهرْ .

- تتتابع أفعال الأمر أو الدعاء قصيرة متسارعة الأنفاس متوالية ، في موطن الضراعة والابتهال إلى الله بحفظ الحبيبة ، وبقاء الحب نقياً متوهجاً وذلك مثل :
خذيني – اقتبليني – اجعليني – طهرْ – جدد ْ– احفظْها – امنحني – اجعلني .

ويستمر اعتماده على الأفعال في تكثيف المعاني والصفات ، فيشتقها من أسماء الأعيان كقوله :
يتموسق – يتبيدر – نأتزر – تسنبّل – تصومع – تزنبقت .

- ومن الخصائص المميزة للنص استخدام الجملة الاسمية ( المبتدأ والخبر ) على هذا النحو :
أنتِ الإشراق – أنتِ الأبجدية – أنتِ الشمس – أنا مبهور – أنا الشعاع – أنا الصحوة .

- ويأتي في مواضع كثيرة على تقديم الخبر شبه الجملة من الجار والمجرور للفت انتباه القارئ إليه كقوله :
على وجهيهما فرحُ اللقيا – في عيونهما حرمة ُنوم غاب . كذلك تقديم خبر كان عليها : بريئة َاللهفة كانت – عميق َالحدس كان .

- ومن الخصائص الأسلوبية قضية التعدي المتميزة بخصوصية مخالفة النهج السائد ؛ وذلك نحو قوله :
( اغفريني ) الذي يتعدى في اللغة بنفسه إلى اسم المعنى مثل ( غفرَ ذنبَه ) ، لكنه يتعدى إلى اسم الذات بحرف الجر نحو ( غفرَ للرجل ) (1) ، وقد جعل الشاعر نفسه شيئاً يغفر مبالغة منه في الحرص على النقاء والخلوص من كل ما شابه قبل أن يلقى صديقة البحر ليكون نقياً صافياً لها فقال ( اغفريني ) .

- وتقودنا قضية التعدي إلى قوله ( اكتبيني ، اكتبنا ) وفيها خروج على المألوف في قواعد اللغة ، حيث لا يُعدي المتكلم الفعل المضارع المبدوء بهمزة المضارعة إلى ضميره (ناء المتكلمين ، وياء المتكلم ) وهنا جمع الشاعر بين ضمير الفاعل المستتر المقدر بـ ( أنا ) في ( أكتبُ ) وياء المتكلم في ( أكتبني ) ، كذا جمع بين ضمير الفاعل المستتر المقدر بـ ( أنا ) وناء المتكلمين في ( أكتبنا ) على نحو من التصرف اللغوي غير المألوف لإضفاء مزيد من الجمالية اللغوية عبر تكثيف المعنى بتغيير موقع الضمير .

- وأما تعديه المصدر ( حبّ ) إلى الضمير فقد عداه مرة إلى الضمير المنفصل ( إياي ) ، ومرة إلى الضمير المتصل ( ك ) في قوله ( حبك إياي ، وحبيك ) فلما كان الحب منها له استخدام ضمير النصب المنفصل لتأكيد ضمير النصب المتصل ، وعندما جعل الحب منه لها استخدم ضمير النصب متصلاً بالمصدر بدلاً من تعديته بحرف الجر ( حبي لك ) ، دلالة على قوة حبه وعمقه وشدته فلم يدع مجالاً للفصل بين الحب والضمير فوصلهما .

- ويكشف النص عن براعة في استخدام الضمائر من خلال التلاعب الجمالي باللغة ، لخلق بعد جديد للضمير وذلك كقوله ( لم نعد أنا أنتِ ، أنتِ أنا ، صرنا أنانا ) فوصل ضمير الرفع المنفصل( أنا ) بناء المتكلمين للدلالة على التوحد والانصهار .

- ويواصل الاجتراء على المعيارية فيصل أداة الحصر ( إلا ) بالضمير المتصل الذي لا يستقل بنفسه ولا يوجد إلا متصلاً ، وذلك قوله ( لا صديق لها إلاه ) والقاعدة ترفض مثل هذا وتؤكد على وقوع الضمير المنفصل فقط بعد ( إلا ) نحو : إلا هو ، وإلا أنت . (2)
- ويعمد إلى استخدام الأفعال المزيدة والصيغ المتولدة عنها بغرض توسيع دائرة
معناها بالتصرف في مبناها عن طريق الزيادة والتضعيف ، وتوضيح ذلك فيما يلي:
- في قوله : ( هي مقتنعة أكثر بهذا الحب القدري ، وهو قانع أكثر بأن انصرافه إليها هو قدره الأجمل ).
- استخدم اسم الفاعل من الثلاثي المزيد بحرفين ( اقتنع ) فقال ( هي مقتنعة ) ربما رغبة منه للتأكيد على اقتناعها ، في حين استخدم اسم الفاعل من الثلاثي المجرد ( قانع ) لأنه كان كذلك منذ البدء فلم يحتج إلى تأكيد قناعته باستخدام الصيغة المزيدة .
- اشتق من الهدير فعلاً على وزن انفعل في قوله ( سمعها البحر ... انهدر على قدميها ) والأصل في هذا الفعل التجرد ( هدر هديراً ) فجعل ( انهدر ) مطاوعا له ، كما جرد الفعل من دلالته على الصوت إلى دلالة أخرى تفهم من السياق ومن صيغة المطاوعة ( انفعل ) كأنه قال : هدرتْ البحرَ فانهدر ، إمعاناً في بيان الصلة الشديدة التي تربطها بالبحر فهي صديقته ولا عجب أن ينهدر عند قدميها .
_ في قوله ( ولتصاعد الأبصار ادّفاق تبرك ورجاء ) فيه ادّفاق محولة من ( اندفق اندفاق) حيث حول الصيغة من ( الانفعال ) إلى ( الافتعال ) والأصل ( ادتفاق ) على وزن ( افتعال ) قلب تاء الافتعال دالا ثم أدغم الدال في الدال فقال ادّفاق على نحو ادّنان من ادّان ) .

أما الزيادة فقد جاء بها على غير قياس حيث لم ترد الزيادة بالألف والتاء في الفعل دفق ، وقد ورد في لسان العرب ( دفق الماء والدمع .. واندفق وتدفق واستدفق ) ( 3 ) . وأما إدغام التاء في الدال فجائز متى كان فاء افتعل مقارباً في المخرج لتائه (4 ) .
- ومن الأفعال المزيدة التي استخدمها وتوزعت بكثرة في النص : تخطّر ، يحوّم ، تنسّك ، يتعمّر ، تنشّق ، تصومع ، تشعشع ، يغلغل ، استحبس ، يتخرسن .
- كما يكشف النص عن ولعه بالاشتقاق حيث يستنفذ كل إمكانيات الصيغة ، فمن المادة (ق . ب . ل) اشتق اسم الفاعل ( قابلاً ، ومقبّلاً ، ومتقبلاً ، ومقابلاً ، ومقتبلاً ، ومستقبلاً ) وذلك من الأفعال ( قبل ، وقبّل ، وتقبّل ، وقابل ، واقتبل ، واستقبل ) .
واشتق من المادة ( و . ح . د ) اسم الفاعل ( عمره الواحد ) ، واسم التفضيل ( طريقة الأوحد ) ، واسم المفعول من الثلاثي المضعف العين ( عمره الموحّد ) ، وصيغة لمبالغة ( فرحه الوحيد ) .
أما صيغة ( تفاعل ، يتفاعل ) التي من دلالاتها المصاحبة والمشاركة فقد أكثر من استخدامها علامة على التوحد والانصهار بصديقة البحر وبالتالي فإن الأفعال وردودها تصدر منهما معا ، ومن أمثلة ذلك : اتحدا ، تلاقماه ، تذاوبا ، يتناثران ، يتذاوبان ، يتذاوقان ، ليلتصقا ، ليلتحما ، أن يتوحدا ، أن يتحدا .

- ويعني الشاعر بتوسيع الفضاءات الدلالية للألفاظ لإكسابها طاقات تعبيرية زائدة ، حتى وإن كان ذلك عبر الانحراف الشديد بالدلالة الأصلية عن مسارها إلى مسار آخر يلائم غرض الشاعر ، وهو في العموم أمر مشروع . ومثال ذلك قوله ( كي تعينه على البواح ) البوح في اللغة هو إظهار السر وإعلان كل ما يكتم ، لكن دون جهر به ، أما البواح فهو إظهار خاص بالمعصية ويكون بمنزلة الجهر بها .(5) ومن هنا يأتي استخدامه للبواح بدلاً من البوح رغبة منه في الجهر بحبه وإعلانه ، ربما لأن دلالة البوح لا تتسع لذلك ، أو لأن البواح أكثر مناسبة للرجل ، والبوح أكثر مناسبة للمرأة

- للشاعر ولع كبير بالتكرار وذلك في مستوى الأفعال والضمائر والحروف ، على نحو يكشف عن رغبة الشاعر في إضفاء مزيد من التكثيف الدلالي ، وليس بخاف أن تكرار الحروف أقل أنماط التكرار قيمة فنية ، وذلك لقلة ما تحمله الحروف من قيمة معنوية وشعورية ، ولهذا فإن الشاعر لا يكرر من الحروف إلا حروف الجر التي يدخلها على الضمائر والأسماء كقوله :

( منه إليه .... إليها ، به فيه ..... إليها ، عنه معه ...... إليها ) .
أما تكرار حروف الجر مع الأسماء فإنه يعتمد على ما تحمله الأسماء نفسها من شحنات دلالية
يؤدي تكرارها إلى زيادة المعاني والصور وتعميقهما ، انظر إلى قوله :
من حرارة التوتر إلى عذوبة الهدوء
من ألم النزق إلى هناء التلقي السعيد
من جمر الأعصاب المشدودة إلى زنبق الإيقاع المتوازن .
من زقاق الجبين المقطب إلى إشراقة البسمة الوسيعة .
من تيهان النظرة المضطربة إلى استقرارها في حضن الأمان .
- وأما تكرار الضمائر والأسماء والأفعال فيبدو في تكرار الضمير المنفصل في قوله :
أنتِ أنتِ أنتِ ولتنتهِ الدنيا .
وتكرار لا النافية مع الاسم في قوله :
ولا مرة كنت واثقاً مني
ولا مرة عرفت ما أعرفه معك
ولا مرة تنفست روحي كما أتنفس منك
ولا مرة عشت ما أنتظره كما أعيشه معك
لقد جاءت كل هذه المكررات وثيقة الصلة بالمعنى العام للنص مما جعل وجودها مبرراً بصورة تظهر مهارة في التكثيف الدلالي والابتكار .
- ومن المواطن التي خرق فيها قواعد اللغة قوله : ( يا الواعدني بربيع يطلع من صخور خريفي ) حيث أدخل ياء النداء على المعرف بأل في ( يا الواعدني ) ، وقد أجاز ذلك الكوفيون ، ومنعه البصريون وهو الأكثر ( 6 ) ؛ وذلك لأن الألف واللام تفيدان التعريف وياء النداء تفيد التعريف ولا يجتمع تعريفان في كلمة واحدة ، وحق المعرف بأل أن ينادي بيأيها .

- وفي قوله (تتفتق الرعشة من شفتيها لؤلؤة لؤلؤة ) جاءت ( لؤلؤة ) حالاً ، وهو غير جائز لأنها اسم جامد ، وشرط الحال أن تكون مشتقة لا جامدة ، ولكن يجوز مجيئها جامدة عندما يمكـن تأويلها بالمشتق ، وذلك نحو قولهم : جاء محمداً أسداً ، أي شجاعاً (7)

- وأقل مما سبق – أي خرق قواعد اللغة – الفصل بين الضمائر وما اتصل بها على نحو غير مألوف ، للفت النظر والتركيز عليه بوضعه بين مزدوجين ، وذلك كما في قوله :

ترك عند باب ( ها ) ، وحنان ( ها ) وحين التقت (هـ ) ، وينادي كلـ ( أنا ) هـ .

الصور :

للصور في ( صديقة البحر ) مستويات تشكيلية متعددة ، فهناك صور واقعية حسية ذات دلالات

حركية مثل قوله :( قرأ سكوتها ، يسمع جمالها ، ينصت إلى عينيها ) وقد جرد الأفعال ( يقرأ ، يسمع ، ينصت ) من دلالاتها الأصلية إلى دلالات جديدة يقتضيها النص ، فالقراءة ليست القراءة التي تتم عبر نص مكتوب ، ولكنها شيء من التأمل ومحاولة الفهم باستنطاق السكوت ، وكذا الجمال فهو لا يسمع لأنه ليس صوتاً بل صورة ترى وتحس وتكتشف ، أما العينان فليس من لوازمها الكلام الذي يستوجب الإنصات ، ولكنهما تتكلمان لغة أخرى تُرى ولا تُسمع ، وهذه اللغة تتطلب الإنصات القائم على التركيز والتأمل في العينين لفهم ما تقولانه .

وهناك صور تعبيرية خرجت عن دلالتها الحسية الواقعية إلى دلالات أخرى أغنت النص وأضفت عليه مسحة من الجمال والتميز ، فالسنابل ليست هي السنابل المعروفة ، لكنها ( شعرها المرخى على كتفيها سنابل ضوء )، والشموع لا تذوب بفعل الحرارة بل ( تذوب الشموع احتفاء بحرارة اللقاء)

، والضياء الذي يأتي في الليل عبر مصادر معلومة يأتي في ( صديقة البحر ) عبر المحبوبة : ( وجهك يضيء عتمة الليل ) .

هنالك أيضا ًنوع من الصور الرمزية التجريدية مثل : ( الدروب الطويلة كجدال عقيم ) و (مخمل الهمس العاشق ) و ( يقظة الحلم ) و ( لهفة الزمان ) و ( اليأس المقنّع ) .

إن الحمولة الدلالية التي يخلعها على الألفاظ بكل هذا الكم من التكثيف تكشف عن ولع الشاعر بالاستعارات المبتكرة والإبداعية التي تبدو في ( التقبيل بالعين ، والعناق بالقلب ، والضم بالروح ، والتمتمة بالجفنين ) .

قد يرى غير المتمرس في اللغة الخبير بأسرارها العارف مواطن جمالها في هذه الأمثلة خروجاً على نظام اللغة وانتهاكا لحرماتها ، فكيف يكون التقبيل بالعينين وليس بالشفتين ؟ وكيف يكون العناق بالقلب ، والضم بالروح ، والتنهد بالعينين ، ولكل حالة أعضاؤها الخاصة ؟‍ ! ‍

إننا لو تأملنا فعل العين في مواقف حميمة وما تقوم به من نظر خاص لاعتبرنا فعلها أكثر من تقبيل ، ولعل العامة لم تخطىء المجاز حينما قالت ( أكلها بعينينه ) .

أما فعل العناق فليس من أدواته القلب أو الروح ، ولكن في حالات التماهي في العشق يقوم القلب وكذا الروح بفعل العناق ، وكثيراً ما تكلم الصوفيون عن عناق الأرواح وتلاقيها .

إن هذه الاستعارات تخالف الاستعارات الوضعية تلك التي تعبر عن النسق التصوري العادي لثقافتنا الذي تعكسه لغتنا اليومية ، وما ذاك إلا لأنها استعارات خيالية أو إبداعية تقع خارج نسقنا

التصوري المتواضع عليه ، وتقوم بإضفاء معنى وبعد جديدين على نشاطنا اللغوي (8) .

ولعلي لا أتجاوز إذا قلت إن انتهاك المألوف والقفز فوق حواجز المعتاد اللغوي هما اللذان يشعلان الشرارة الشعرية ويجعلان المتلقي يحلق في فضاءات متجددة .

وتأتي كل من الكناية والتشخيص بكثرة تكمل دائرة الإبداع الذي لا يستقيم بدون هذه الفنية الدقيقة و ( الحرفية ) البالغة اللتين أفسحتا المجال أمام توليد الصور وتكثيفها ، إذ تحررت العلاقة التي تنتظم الكلمات وتحكمها في تشكيل الصور من ارتباطها بتسمية الأشياء بأسمائها مباشرة إلى علاقة أخرى تقوم على ذكر شيء وإرادة شيء آخر كما في الكناية ، أو ارتباط صفة بموصوفها إلى علاقة أخرى تقوم على إسناد صفات وخصائص بشرية إلى أشياء ومعان كما في التشخيص . وفي هذا السياق يمكن العثور على أمثلة كثيرة تكتشف عن افتتان بانتقاء الكلمات التي تلعب دوراً كبيراً في تكثيف المشهد وصولاً إلى إخراج النص كما يريد له الشاعر أن يكون ، وهذه الصور من الكثرة والطرافة بحيث يضيق عن استيعابها حيز هذه الدراسة .

--------------------------------

* صدرت طبعته الأولى في مايو 1999 عن دار الأوديسيه ، جونيه ، لبنان ، والمقال جزء من قراءة محكمة نشرت في مجلة كلية الأداب والعلوم الإنسانية بجامعة البحرين .
(1) في القرآن الكريم على سبيل المثال لا الحصر ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) [ آل عمران 135 ] كذا (قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي) [ القصص 16 ]
(2) عده ابن جني من باب وضع الضمير المتصل موضع المنفصل ، انظر الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار ، دار الكتاب العربي ، د . ت ، ج (1) ص 307 . وذكر ابن عقيل عدم وقوعه في الاختيار، وعده شذوذا في الشعر ، انظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، تحقيق محيي
الدين عبد الحميد ، دار الفكر ، بيروت د.ت ج(1) ص 89 .
(3 ) لسان العرب ، طبعة دار صادر ، بيروت ، د . ت ( دفق )
(4) ينظر شرح شافية ابن الحاجب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، د . ت ، 3 / 286 .
( 5) ينظر لسان العرب ( بوح ) .
(6) ينظر كتاب الجمل في النحو لأبي القاسم عبد الرحمن بت إسحاق الزجاجي ، تحقيق على توفيق الحمد ، ط 1 ، 1984 ، ص 150.
(7) ينظر شرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، د.ت ، ص25
(8) ينظر ، جورج لا يكوف ومارك جونسن ، الاستعارات التي نحيا بها ، ترجمة عبد المجيد جحفة دار توبقال ، 1998 ، ص 145


>