كــويــت يا جـنة في سـاحـة العــرب             ويا (عكاظ) النهى والشعر والأدب

فالشعر في أرضك المعطاء ما نضبت             يومــاً ينابـيعه عن مـائها العــذب

عبدالعزيز سعود البابطين

آخر الاخبار:   أمسية شعرية مشتركة بين أكاديمية البابطين للشعر العربي والبيت الثقافي العربيإصدارات مؤسسة البابطين الثقافية في معرض الكويت الدولي للكتابمؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية بالتعاون مع إذاعة صوت العرب من القاهرة تعلن أسماء الفائزين بالمسابقة الشعرية للموسم الخامسأكاديمية البابطين للشعر العربي أحيت أمسية شعرية نقديةعبدالعزيز سعود البابطين يستقبل رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر مورير ويسلمه دعوة لحضور المؤتمر العالمي للسلام في محكمة العدل الدولية بلاهايغياب مؤثر لصديق المؤسسة الرئيس السوداني الأسبق عبدالرحمن سوار الذهبجدلية الوجود والشعر في ديوان ”مسافر في القفار“ للشاعر عبد العزيز سعود البابطينعبدالعزيز سعود البابطين يشارك في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الثقافةرئيس المؤسسة في كلمة ألقاها نيابة عنه الأمين العام عبدالرحمن خالد البابطين: حدث يتجاوز مجرد الحوار والتواصل نحو الفهم وبناء ثقافة جامعةجامعة (ليدن) الهولندية تنشئ مركز البابطين للثقافة العربية داخل حرمهامؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية تحضر لإطلاق مركز للثقافة العربية في جامعةلايدن بهولندا بدء التسجيل في الموسم الثاني من "دبلوم الإبداع الشعري" بالتعاون مع الأكاديمية العالمية للشعر في إيطاليا
البحث  
تفاصيل اخبار المؤسسة

جدلية الوجود والشعر في ديوان ”مسافر في القفار“ للشاعر عبد العزيز سعود البابطين

جدلية الوجود والشعر في ديوان مسافر في القفار

للشاعر عبد العزيز سعود البابطين

في إطار الاحتفال بالشاعر الكبير عبد العزيز سعود البابطين يسرني أن أشارك بهذه الصفحات تنويها بهذه الشخصية العلمية الفذة التي تركت بصمات خالدة في خدمة لغة الضاد واستمرار شلال الإبداع العربي.

المداخلة:

في البداية لا بد من تسجيل هذه الحقيقة البسيطة ونحن عند عتبة الديوان، وهي أن قارئ ديوان الشاعر عبد العزيز البابطين، سيصاب لا محالة بالذهول من استمرار هذا الشاعر في إصراره على البوح بقصائده العذرية رغم تجاوزه لعقده السابع(فهو من مواليد 1936)، وما مل الحياة، وما انطفأت في قوافيه شعلة الأمل، ومن قدرته العجيبة على تحويل رماد الأيام إلى نار لا يخبو جمرها إلا ليتوهج من جديد، ناشرا في زمهرير الوجود دفء الحياة وعبير الصحراء، ولعل أكثر ما يدوخ قارئ ديوان مسافر في القفار هو هذا التطلع المستحيل عند الشاعر، والذي لا يزداد إلا معاندة وإلحاحا على لقاء حبيب تفصله عنه عشرات السنين..

و بادئ بدء اسمحوا لي بتقديم سريع لديوان مسافر في القفار.

أخرج الشاعر عبد العزيز سعود البابطين ديوانه مسافر في القفار إلى النور سنة 2004، طباعة مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، وصدرت منه بعد ذلك ثلاث طبعات، كان آخرها الطبعة الصادرة سنة 2010، وهو أمر يدل على المكانة الأدبية الكبيرة لهذا الأثر الشعري. تم إخراج الديوان في غلاف ملون وأنيق، أهدت لوحته الفنانة الكويتية مي عبد اللطيف السعد.

يتألف الديوان من (62) قصيدة موزعة على 143 صفحة، كتبها الشاعر في فترات مختلفة على النحو التالي:

السبعينيات: ثلاث قصائد (1975 – 1978)؛

الثمانينيات: قصيدة واحدة 1986؛

التسعينيات: 58 قصيدة (1990 – 2003).

ويلاحظ وجود تداخل زمني بين ديوان بوح البوادي(1973 – 1995) وديوان مسافر في القفار(1975 – 2003)، وقد تكررت قصيدتان في الديوان الأخير، هما قصيدتا محمد رمزهم(في رثاء الطفل الفلسطيني محمد الدرة) ولبنان النصر( في الاحتفال بطرد الغزاة الصهاينة من جنوب لبنان).

اشتمل الديوان على موضوعات متنوعة: مناسبات ثقافية وسياسية، قصائد إخوانية، وفي الفخر، وقصائد ذاتية ووجدانية محورها المرأة، وهي التي تشكل القسم الأكبر من نصوص الديوان.

وجاءت قصائد الديوان كلها مفرغة في قالب إيقاع القصيدة العمودية، في تشكيلة من البحور المركبة(الطويل، البسيط، الخفيف) والبحور الصافية(الوافر، الكامل، الرمل، المتقارب، المتدارك..).

وقد كتب الشاعر قصائده في أماكن مختلفة: مصر، السعودية، فرنسا، لبنان، المغرب، مالي، الكويت..الخ:

أنشدت شعري بفاس والكويت وفي           ناد العيون وفــــي أجواء لينان

ومصر أسمعتها لحني وكم طربت            لما وعت أن لحني نسج وجداني …

ونظم أكثرها في كنج مريوط، وهي مدينة تقع في الإسكندرية (مصر) بجوار العامرية ومدينة برج العرب . شهدت هذه المدينة نهضة عمرانية حديثة وهجرة العديد من أسر المدن، و كانت قبل ذلك تسكنها أغلبية بدوية.

وحظيت مدينة الشيط السعودية بقصائد عديدة، وهي مدينة قديمة تقع في المنطقة الشرقية، تتميز بخصوبة التربة ووفرة المياه، فهي مرتع مريح لرعاة الإبل والأغنام، وفضاء مناسب لهواة الرحلات والقنص.

وتليها المدينة الفرنسية الصغيرة سفرنيه (فيرني فولتير)، الواقعة بالقرب من مطار جنيف، وهي مدينة صغيرة وهادئة، وتكثر فيها العوائل العربية فترة الصيف لكثرة الشقق فيها، ويوجد بها مجمع تجاري بالإضافة إلى سوبر ماركت كبير جداً.

كانت هذه نماذج من الأماكن التي أبدع فيها البابطين نصوصه، وهي فضاءات مختلفة في مناخها وسكانها ومتباينة في تاريخها ومحيطها الحضاري. ومن النادر حضور ذكر خاص لهذه الأماكن في متن قصائد الديوان. مما يوحي بأن الشاعر كان لحظة الإبداع يتحرر من قيود المكان والزمان، ويسافر بعيدا في شعاب ذكرياته وعوالم مطمورة في لا وعيه ووجدانه.

قراءة الديوان:

من الصعب إخضاع مدونة مركبة من نصوص مختلفة في موضوعاتها لقراءة موحدة، فذلك يتطلب الكشف عن ناظم دلالي مشترك لهذه النصوص. ويتم البحث عادة عن هذا المركز القرائي داخل هذه المدونة أو خارجها.

ونرى أن أي ناقد للديوان يريد الاسترسال في ممارسته نقدا مضطر إلى نحت تقنية قرائية تتوسل بداخلية النص وخارجيته، وقد يحتاج لإنجاز ذلك إلى الاستعانة بمعطيات نفسية وبيوجرافية. ولابد من إعادة فرز نصوص الديوان واستبعاد تلك المتعلقة بالمناسبات العابرة، ومن ثم الاحتفاظ بمدونة متجانسة في مضامينها الدلالية، والتي نراها بالنسبة لهذا الديوان، متجسدة في قصائده الوجدانية. وبذلك تستند المدونة المدروسة إلى وحدة الذات المبدعة وإلى موضوعة مركزية مهيمنة على مضامين المدونة، ويعتبر عنوان الديوان عاملا مرجحا لهذا الاختيار.

فهذا العنوان بشحنته المجازية ” مسافر في القفار” يوحي بأن الحياة صارت لدى الشاعر أطلالا خاوية من الذكريات ووجود ينزف من الداخل بالحزن والإحساس الدرامي بهشاشة الحياة والغربة المخيفة التي يشعر بها من تقدم به العمر، وبالتالي تصبح القصيدة نفثة مصدور وصرخة يائسة في وادي الفناء السحيق:

أرى الناس حولي والحياة تضج بي

وأنجم ذاك الليل ساطعة تجري

وأزهار هاتيك الرياض عطورها

تفوح كما لم يعبق الزهر بالعطر

وأسهر ليلي والها متوجدا

بصمت عميق حائر القلب والفكر

أقلب طرفي حيث كنت فلا أرى

سواي حبيس العسر في عالم اليسر

فلا شأن لي في الشدو والحسن والشذا

كغيري، ولا ألقى بدنياي ما يغري

لقد ضعت فيها راكبا صهوة الأسى

أتيه غريبا كالمسافر فــــــــي قفر

فهذه النصوص الوجدانية يتقاطع معجمها في دوال منبجسة من خزان الذكريات، ومن ارتسامات عناصر الطبيعة في نفسية الشاعر المستثارة.

فالقصيدة عنده يمزقها تصدع في كينونة الذات، نابع من تأرجح الشاعر بين لحظة الحاضر الذي يثور عليه، وبين ماض بعيد، هو مستودع مسراته وذكرياته العزيزة عليه، والتي هي كل ما بقي يشده إلى هذا الوجود. وهذا التمزق في كينونة يستمد جذوره من موروفولجيا المصير الإنساني، إذ يتعلق بتجربتين مختلفتين: فترة الشباب التي لا يفتأ الشاعر يحن إليها، وفترة الكهولة التي بدأ الشاعر يئن من وطأتها، ومن ثم يمكن القول إن الشاعر يناجي الأولى في رحاب الثانية، أو إن شئنا، يتأمل رمادية الثانية وخواءها، وهو يستحضر خضرة الأولى وبهجتها، يقول الشعار من قصيدة “الهوى المشتعل”:

ارجعي لــــــــــي أيها الأيام ما ولى وفات

ارجعي للصب أن يحيا بحـــــب الخفرات

أين مــــــــني كلما أمسى بعمري ذكريات

ولقد ضاع ندائي مثل صوت فـــــــي فلاة

ليس ما يسمعه إلا بـــــــــــــــــواد خاليات

ونجوم بعدت عنـــــــــــــي وكانت دانيات

وتكشف البنية العامة لنصوص الديوان في ضوء الموضوعة الوجدانية “المتصدعة” المؤشرة أعلاه عن تأرجح كيان القصيدة بين أربع مقامات حسب إبدالية الحاضر\الماضي:

هيمنة الماضي: وعندها يتحول النص إلى أنشودة فرح وإلى عرس يحتفل فيه الشاعر والكون بهذه اللحظات السعيدة المتسامية فوق الزمن، ففيها تتحرر الذات من قيود الواقع وراهنيته، تنتشر محلقة في عالم الكينونة\المثال\الحلم الذي تعيش فيه منفية فرارا من الوجود المأساوي السسيو-بيولوجي، وهو عالم صاغه الشاعر من هشيم ذكرياته ومقتطفات من تفاصيل حياته السابقة، ومن الارتسامات الرمزية لهذه المقبوسات في عالم الطبيعة:

ضحك الربيع وغنت الأطيار

وتفتحــــــــــت للقائنا الأزهار

وأزور عن قلبي المشوق سقامه

وتلألأت بدروبه الأنـــــــــوار

تشدو الطبيعة أغنيات بالهوى

وبشدوها يتراقص السمـــــــار

مرت عصور بانتظار لقائه

فطغى الجوى، وتقضت الأعمار

أنا لا أصر على اللقاء، لأنني

يكفـــــي بأنا بيننا التذكـــــــــار…..

فالشاعر يكفيه استحضار هذا ” التذكار” بتداعياته و”حميمياته” لبناء فنتازيا عالمه البهيج، يعاقر فيه كؤوس أفراحه وأتراحه، ويتجرد فيه المعشوق من هيولاه المحددة والمسماة ببروتوكولات الحياة الممأسة المبتذلة، يغدو نورا ولوحة مجسدة للحياة في نقائها وكمالها.

وفي هذا المساق تأخذ القصيدة شكل أنشودة تحاول الاحتفاء بالماضي بمناجاته وتمجيده على طريقة ” مارسيل بروست” في “الزمن الضائع”.

أما المقام الثاني، فيطغى فيه الحاضر على لحظة البوح الشعري، فتكاد القصيدة أن تنوء تحت وطأته، بعد أن أناخ عليها بكلكله، بأحزانه وقسوته، تصير القصيدة إلى ابتهالية، تفيض بالحنين والإحساس العاتي بألم الغربة النفسية والوجودية، والتبرم من رتابة الحياة وخوائها، وهو ما نهضت عليه قصيدة “الهوى المشتعل”، التي سبق أن تطرقنا لها:

ارجعي لــــــــــي أيها الأيام ما ولى وفات

……………………………………….

آه يا دنيا أعيدي بعض ما ولــــــى وفات

يضع الشاعر القصيدة بين معقفي مجال مغلق باللازمة: ” ولى وفات”، وتغوص الذاكرة بينهما في رحاب الماضي المجيد، فينشطر النص إلى كيانين، أولهما تتجاذبه أفعال مشحونة بالحركة والإحساس الجارف بجذل الوجود، وبفتنة الحياة، وبعنفوان الفتوة المفقود، حيث تتواصل الذات بكل حواسها مع عالمها البهيج: (لأنظاري، لسمعي، ولهانا، عاشقا، الدنيا عيون حالمات….).

وفي الكيان الثاني، تختفي الحركة، تتسلط على تراكيب النص دوال تتحدث بالضياع والفراغ والهروب: (ضاع ندائي، بواد خاليات، نجوم بعدت….)، وقد حاولت القصيدة أن تعاود توسلها من جديد ” ارجعي لي نشوة الماضي”، لكن هذه الحركة يتم إخمادها سريعا بفعل التوجع ” آه”، الموحي بالتحسر والعجز عن مجابهة الوعي بقسوة عالم الوجود المعيش، للتتوارى القصيدة عبر بوابة الضياع التي أطلت منها ” ولى وفات”.

– التشكل وفق الإبدال الماضي الحاضر: وفي سياق هذا التجلي للحركة النفسية داخل القصيدة تبدأ القصيدة انبجاسها من لحظة الماضي\الحلم، ومن ثم تشرع مخزوناتها، الثاوية في اللاوعي، في التمدد داخل خلايا القصيدة، حتى إذا وصلت موجتها إلى حافة اللحظة الراهنة، حدثت ردة فعل معاكسة، فينطلق صوت الحاضر ببؤسه وخوائه ليذكرنا بالحقيقة المرة التي تحاول الذات الإفلات من سطوتها وهولها:

صليني بربك ذات الجمال

فوصلك في العمر كــــل مرادي

متى تصليني تضيء الليالي

وتشرق حولي هضاب البوادي

وتزهر فيها جنان النعيم

وتمرح فيها الطيور الشـــوادي

……………

فلا وجد يوهن قلبا ولوعا

يحـــــــــــن إليها لجهل رشادي

ولا سهد تثقل فيه الليالي

ويرمي وسادي بشوك القتـــاد

– أما الإبدال الآخر للحركة النفسية الحاضر-الماضي فينطلق من دائرة الحاضر الدرامية، وينتهي باستعادة الماضي في لحظاته المشرقة وإحداثياته السعيدة التي ما زالت طرية في ذاكرة الشاعر، فترسم خلفية مخضرة للوحة القصيدة، وقد يمتزج البعدان ويتعانقان داخل النص، في حركة لولبية، يحاول فيها الشاعر لملمة أطراف ذاته بمعادلة حاضره بماضيه:

في ساعة الشجو تصفو النفس صاغية

للقلب يصبو إلى الماضي ويدكر

وتنبت الأرض أزهارا ملونــــــــــــــــة

وفـــي خريف حياتي يورق الشجر

جاد الزمان بأيام لنا رقصــــــــــــــت

فيها الدنا حولنا واستبشر الـــــوتر

يا حبذا زمـــن الحب الذي انصرمت

أيامه الغر والعشاق قــــــــد هجروا

وحبذا القلب خفاقا بعشقــــــــــــهم

وإن تناءوا وما مـــــن حالهم خبروا

فأين ” ليلاي ” يمحو نور غرتها

ظلام ليلي الـــــــــذي لم يجله سحر

وهكذا تبدو القصيدة عند البابطين وكأنها موصولة بقابس عالم اللاوعي، يتدفق منه شلالها في عفوية وثراء فريد في بساطته وعمقه في الوقت نفسه، وقد ساعدت قوة الطبع الشعرية، في الحد من آثار الصنعة المرتبطة بــ”إنتاجية” قوالب القصيدة العمودية، فجاءت منسابة في نسجها وتمعجمها الشعري، فلا يحس قارئها بنتوء ناشز في ضفيرة مكوناتها الدلالية والفنية.

وفي هذا المنحى الوجودي\الوجداني تعتبر قصيدة ” ثورة قلب” منعطفا حاسما في تحولات حياة الشاعر النفسية وتجربته الشعرية ، فقد ثار فيها على محاولة البعض اصطناع عالم وجداني زائف، وعلى ذلك السلوك الجمعي العابث، وهو في هذه الثورة ” الوجودية” يذكرنا بـــ”مسأمات” إيليا أبو ماضي:

سَئِمَت نَفسي الحَياةَ مَعَ النـــــــــــاسِ وَمَلَّت حَتّى مـــــِنَ الأَحبابِ

وَتَمَشَّت فيها المَلالَةُ حَــــــــتّى

ضَجِرَت مِن طَعامِهِم وَالشَرابِ

وَمِنَ الكَذِبِ لابِساً بُردَةَ الصِدقِ

وَهَــــــــذا مُسَربَلاً بِالكِــــذاب ِ

وَمِنَ القُبحِ في نِقابٍ جَمــــــيلٍ

وَمِنَ الحُســــنِ تَحتَ أَلفِ نِقابِ

ونجد نفس المعجم الهجائي(التهالك على الملذات، الكذب، التكلف) عند البابطين، لكن هذا الأخير لا يتناول المسألة في بعدها الجمعي، وإنما يسحبها كذلك على عالم الذات، في رفضه التعلق الساذج بحياة ولت وانقضت(عهد الشباب والفتوة)، والتي قاده التشبث بها إلى مجاراة حياة تعافها نفسه، تعج بكل أشكال الخداع والزيف:

سئمت الحنين إلى ما مضى

وكان الحنين علي يجور

سئمت الرجوع بفكري وقلبي

إلى عالم كنت فيه غرير….

سئمت التكاذب باسم الأخوة وأهل الفراغ وحب الظهور

سئمت الغرور بدنيا الخداع

وما كان أسخف هذا الغرور

وتفضي هذه الثورة إلى انبلاج إرادة جديدة عند الشاعر، قوامها القطيعة مع هذه الحياة الزائفة والتسامي sublimation بهذه التجربة الوجدانية إلى مستوى المثال في الطهر والعفوية:

لقد ثار قلبي على غيه القديم وما كان قبلا يثور

ورحت أحطم سجني وأتلو

صلاة المتاب لرب غفور….

وقيدا به الوهم قد غلني

رسفت طويلا به كالأسير

ليستقر الحال بالشاعر على درب جديد، أو لنقل، إن الشاعر وضع لحياته دستورا جديدا، سيشكل المجرى العام لقصائده اللاحقة. فهذا المقطع يرسم المدى الموضوعاتي الذي سيهينم على مدونة النص، كما يشكل حدا فارقا بين تجربة الشاعرين.

لقد انتهى الفرار بأبي ماضي من عالم الناس إلى اكتشاف حقيقة مرة، وهي أنه يحمل بين جنبيه دنيا البشر، بكل تناقضاتها ومحبطاتها:

عَلَّمَتني الحَياةُ في القَفرِ أَنّي

أَينَما كُنتُ ساكِناً فــــــــــي التُرابِ

وَسَأَبقى ما دُمتُ في قَفَصِ الصَلصالِ عَبدَ المُنــــى أَسيرَ الرَغابِ

خِلتُ أَنِّي في القَفرِ أَصبَحتُ وَحدي

فَإِذا الناسُ كُلُّهُم فــــي ثِيابي

وقد ضاعفت هذه الحقيقة من ألم إحساس الشاعر بغربته الوجودية، ودفعت به إلى مزيد من اليأس والتشاؤم.

أما الشاعر البابطين، فقد استمد من التحول الذي عصف بوعيه ووجوده دافعا جديدا لمواصلة الحياة بنفس متصالحة مع ذاتها ووعيها، ملؤها التفاؤل والإقبال الجذل على الوجود، فقد تسامت – كما قلنا أعلاه – بماضيها السعيد إلى فردوس يعيش فيه الشاعر بعيدا عن منادمة الحاضر الكئيب:

أزحت ركام السنين الثقال

لأعبر حيث أشاء العبور

أمد خيالي بجو الطبيعة تغمر نفسي بعطر ونور

وأجعل من أفقها لي غطاء

وأبسط من زهرها لي سرير

وأصحو مع الفجر حرا طليقا

طروبا، وأصغي لشدو الطيور

ويسعد ليلي ضياء النجوم

وفي فلك مــــن الصفاء أدور

وهكذا فإن الطبيعة بمفرداتها(الليل، الغاب، الوحدة….) ستشكل الإطار المثال الذي تتفتق فيه نفس الشاعر ويسمح فيه المقام بالعزف من جديد على قيثارة الشعر وإشعال فتيل الذكريات والحنين.

المرأة في شعر عبد العزيز البابطين

في البداية لا بد من كلمة عن علاقة القصيدة العربية بالمرأة، فهي ترجع في جذورها إلى طفولة هذه النص في باكورة نشأته، وأفرد لها الشاعر البدوي مكانة الصدارة في البنية المعمارية للقصيدة الجاهلية تحت مسمى مدونة غرض النسيب، فغدا هذا المكون الموضوعاتي لازمة مقدسة وأحد ثوابت الشعرية العربية، ينظر لها النقاد من أمثال ابن قتيبة والمرزوقي باعتباره سنة فنية لا يقبل الخروج عليها. وواصلت هذه الخانة المخصصة للمرأة هذا التصدر في النص الشعري بعد مجيء الإسلام، إذ أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم قصائد الشعراء البادئة بالمقدمات النسيبية، خصوصا مطولة كعب بن زهير في مدحه عليه الصلاة والسلام:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ

مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفد مَكبولُ

ويمكن اعتبار هذه القصيدة بمثابة النص المركزي المؤسس لنموذج قصيدة المديح النبوي، إذ ظل على مر التاريخ هدفا لمحاورة الشعراء معارضة وتضمينا.

فهل يمكن القول مجازا إن حضور المرأة في النص الشعري من ثوابت العقل العربي في منظوره الثقافي، فنحن نطالعه في شعر المناسبات الحزينة كالرثاء وفي النصوص ذات الطابع الديني كقصائد التصوف. وبرزت ظاهرة عشاق بني عذرة (قيس بن الملوح، جميل بثينة، وكثير عزة…) كنموذج فريد تتوحد فيه الكلمة والسلوك، ينتهي بالشاعر إلى ما يشبه الحالة المرضية، مكرسا حياته كلها للتبتل والفناء في مناجاة الحبيب. ولا تختلف إبدلات التطور في تجليات هذا الحضور إلا في الطوابع الفنية الخاصة بالعصر بالنسبة لكل شاعر، ولكنها تبقى في جوهرها مشدودة إلى نواة مركزية مهيمنة، فتتعادل هذه التجليات وتتكافأ عند كل من امرئ القيس وابن ربيعة وابن الملوح وابن عربي ونزار قباني.

وتهيمن موضوعة المرأة أكثر في الشعر الشعبي بسبب غياب الأغراض الأخرى المتجاورة في القصيدة الفصيحة العمودية.

وعودة إلى الموضوع، لا يتردد البعض في تصنيف شعر البابطين في غرض الغزل، وهذا ما يوحي به معجم النص والصور التي تحيلنا على مدونة الغزل القديمة، ولكننا إذا استحضرنا أن هذه النصوص قد كتبها الشاعر ليؤثث بها أيامه في خريف العمر، تكشفت لنا عن بعدها الوجودي الرمزي، وعن علاقتها الفعلية بحياة الشاعر، كلعبة بين الكينونة والظاهر، وفق ما نظرت له الفلسفة الوجودية، حيث يعيش الإنسان معلقا بين حياتين إحداهما ترتبط بالمصير الذي آل إليه (عالم الشيخوخة والضعف والحرمان)، الذي لا ينفك يثور عليه ، أما الوجود الآخر أو الكينونة التي يتشبث بها الشاعر فهي عالم القوة والبهجة التي عاشها الشاعر في مستهل حياته، وهنا تكمن المفارقة مع وجودية سارتر وأمثاله التي يتجه فيها الصراع الوجودي نحو المستقبل، بينما ترتد ثورة البابطين نحو الماضي، يقول الشاعر من قصيدة “رحيل السنين”:

رحيل السنين بسمعي يرن

وقلبي من الشوق بات يئن

وذكرى عهود مضت تحتويني

يكاد لها الوجد في يجن….

ولكنني في هواي سأمضي

مدى العمر أعشق من لي يحن

يتضح أن حضور المرأة في ديوان “مسافر في القفار” هو بمثابة شراع يبحر به الشاعر في حياته التي تملكها الضعف والابتعاد والانعزال عن دنيا الناس الصاخبة، وفق ما رسمه في قصيدته “النجمة الخالدة”:

أيمر العمر ولا أمل

بلقاء حبيبي يسعـــــده

يبعدني قدري عن وصل الـمحبوب، وعني يبعده

فأبيت وقد أوحش ليلي

ونأى من قلبي ينشـــــــده

أتقلب فيه على جمر

حام، وحنيني موقـــــــده

وهناك قضية تتعلق بالمرأة في شعر البابطبن لا بد من الوقوف عندها، وهي أنه استفاد من تجربة الشاعر العربي القديم في قهر المسافات التي تمنعه من الوصال بالحبيب لأسباب اجتماعية أو طبيعية، والمتمثلة في استخدام الطيف كوسيلة لتحقيق ذلك التواصل المستحيل. فقد ساعدته هذه التقنية التي يكاد ينفرد بها الشاعر العربي في خلق توازن وجداني بين راهنية الحاضر وبين فردوس الماضي المفقود.

وقد انتبه ابن حزم إلى هذه الوظيفة التواصلية للطيف وطبيعة النتائج التي يسفر عنها اقتحامه لعالم النص الشعري بقوله: ” … ومزار الطيف – على قصر مداه ووقوعه في جانب الوهم – إنما هو شيء يخصنا، وعن طريقه نرى من غالهم الموت ممن نحب، ونستعيد لذاذات العيش التي ذهبت بها صروف الزمان، ويخيل إلينا أننا ننسى أن من نحب، قد مضى ووراه التراب”. فلنتأمل على على ضوء هذا المقبوس المقطع التالي من قصيدة البابطين ” طيف الحبيبة”:

فطيف الحبية حين يهل

أرى السهل يخضر والواديا

ويعطي له الشعر ديوانه

وأغـــــــــدو لديــــــوانه راويا

كفاني طيف الحبيبة إما

بدا لي، فأرنو لــــــــه راضيا

ويغمرني سحره حالما

أراه، فأسلمـــــــــه حـــــــــاليا

نعمت مساء أيا طيفها

وغناك صوت الهـــــــوى شاديا

فلا تبرحن خيالي وكن

سميرا علــــــــى خلــــــــــه حانيا…..

ففي هذه الابتهالية تغدو القصيدة بمثابة المعادل الفعلي للوجود المفقود، يتحول الطيف إلى بديل حي للحبيب، يؤسس ثنائية تعيد التوازن لحياة الوحدة، خالقا بذلك حالة وجدانية يتشيأ بها عالم الشاعر الداخلي، مما يسمح للذات بالاندماج في عالمها الخارجي، والفكاك من أسر الآنية الزمنية نحو الزمن المطلق. وبذلك يتاح للشاعر بفضل واقعة الطيف/الحلم من تحقيق ما يشبه لحظة الوصل عند الصوفي، فبسببه تدب الحياة من جديد في الوجود،فإذا الطبيعة تحتفل له بالاخضرار، وتعاود قيثارة الشعر شدوها للحياة، ويصير هذا الطيف خلا يؤنس الشاعر ويحاوره.

وهذا يذكرنا بما عبر عنه الشاعر الموريتاني الكبير امحمد ولد الطلبه:

تأوَّبَهُ طيـــــــــفُ الخــيالِ بمَريما

فباتَ مُعَـــــــــنّىً مُستجَنّاً مُتَيّما

تأوبَّهُ بعــــــــــد الهجوعِ فهاضَهُ

فأبدى من التهيامِ ما كان جمجَما

تولّى كأنَّ اللمـــحَ بالطرفِ زَورُهُ

وكانَ وداعاً مــــــنهُ أن هو سلّما

فمن ذا ولا من ذا رأى مثلَ زورهِ

ومِثلَ الـذي بينَ الجوانحِ أضرَما

ولجميل بثينة خاطرة دالة في الموضوع:

أَمِنكِ سَرى يا بَثنَ طَــــــــــــيفٌ تَأَوَّبا

هُدُوّاً فَهاجَ القَلبَ شَوقاً وَأَنصَبا

عَجِبتُ لَهُ أَن زارَ في النَومِ مَضجَعي

وَلَو زارَني مُستَيقِظاً كانَ أَعجَبا

وإذا كان الشاعر القديم استخدمه لطي المسافات التي تفصله عن المرأة، فإن البابطين لجأ إليه لعبور الزمن، لإشعال ذكريات لا يفتأ يحن إليها، فيستدعي المحبوب من عالم الماضي ليكون ثالثه والطبيعة، وتختلط عندها دنيا الحلم بعالم اليقظة، يقول الشاعر من قصيدة ” اغتراب”:

سئمت اغترابي وطول السفر

ولمت على الهجر من قد صبر

وطال اشتياقي إلى من أحب

ملاذي من كل هذا الضجر

وأرنو إلى طيفها كل حين

وفي كل حين أراه ظهر….

إذا مر في خاطري رسمها

أرى كل ما أشتهي قد حضر

وكما ذكرنا سابقا، يبرز الطيف في هذا النص كوسيلة توازن بين نفس الشاعر الغارقة في وحدتها وبين الوجود الذي يبدو له غريبا ورتيبا، إنه نبع داخلي، يغترف الشاعر من معينه، فيحقق به اكتفاء ذاتيا عن دنيا الناس، ويشكل طرفا متقبلا للمرسلة الشعرية، وبدونه يضطر الشاعر إلى أنسنة الطبيعة(الليل، النجوم، الحمام) لمحاورتها، أو يجرد من نفسه مخاطبا يبثه أحزانه وهمومه.

التجربة الشعرية في ديوان “مسافر في القفار”:

لا بد في البداية من التأكيد على أن الشاعر البابطين قد أحب الشعر بقدر ما عشق المرأة، فقد كانت القصيدة بالنسبة لوجوده بمثابة “كوجيتو” ديكارت: أن يقول الشعر فذلك لأنه ما زال موجودا، ويعني التوقف عنه استسلاما للفناء والضياع الأبدي، إنه الأطروحة الموازية لمقولة محمود المسعدي: “الأدب مأساة أو لا يكون”، ولكنها عند البابطين “الحياة مأساة إن لم يكن فيها الشعر والمرأة”. يقول في هذا المساق من قصيدة: “يا حب”:

يا شعر أنت أنيسي في متاهتنا

وأنت أنت الذي تملي تناجينا

يا شعر قلها وعبر عن مشاعرنا

فالوصل بالوهم يغني، بل يسلينا

وفي نص آخر يصرح بأن الحب والشعر هما وجهان متكاملان للوجود الحق:

يا حب لولاك ما فاضت مشاعرنا

شعرا ولحنا، ولا صارت دواوينا

وأنت يا شعر، يا سحر الوجود ويا

سلافة الروح، يا أصفى أغانينا

لولاك يا شعر ما مس الهوى وترا

في قلبنا أو شدا بالحب شادينا

وتجلى هذا الهيام بالشعر في ما أنفقه عبد العزيز سعود البابطين من جهد ومال ووقت على إعلاء بيت الشعر العربي، مجسدا ذلك في معاجم ترجمت لغالبية شعراء العرب المعاصرين، وفي الجوائز السخية التي رصدها لتشجيع الإبداع ولجعل شلال الشعر العربي يتدفق على الدوام في كل المحافل والأقطار العربية.

فحق له أن يذكرنا بذلك في قصيدته “حديث السمار”:

سيذكرني قومي إذا الشعر أجدبت

مرابع فيه مــــن جميل القصائد

ويذكر أهل الشعر يوما بأنني

عملت بما أسطيع من جهد رائد

أعيد لبيت الشعر أعلى عموده

أبنيه بالساح الرحـــــــيب كذائد

لم يقترح البابطين نظرية خاصة في الشعرية العربية، فقد فضل أن تكون كتابة الشعر هي أفضل وسيلة للحديث عن ماهيته ورسالته، كما يقول هنري ماشونيك. وإذ اعتمد على القصيدة العمودية كشاعر مطبوع فقد عاد بالشعر إلى طفولته/البداية، عندما كان النص الإبداعي ملتحما بنصه النقدي، يرضعهما الإنسان العربي دفعة واحدة في أحضان ثقافته البدوية الشفاهية، فلم يعبأ كثيرا بوصايا منظري الحداثة في ضرورة قطع الصلة بالتفعيلات والقوافي والبلاغة التقليدية، من أجل تحقيق أعلى درجات الصدق الفني والعاطفي، والتي دفعتهم إلى استبعاد نزار قباني من دراساتهم النقدية الجادة لخروجه على هذه “التفاهمات الشعرية ” المسبقة.

فالشعر عند البابطين هو انصهار فريد بين اللحن والكلمة والوجدان، هو أن تتلألأ القصيدة بعالمها الداخلي والخارجي، ومن هنا، شاع في حديثه عن الإبداع عبارات لآلئ الشعر ونضاره وقلائده، لنقل إن القصيدة عند البابطين هي المعادل للمرأة في زينتها وتألقها:

شمس من الحسن والإشراق باهرة

تضيء أنوارها داجي ليالينا

حضورها الشعر منغوما بخطوتها

ما أروع الشعر تنغيما وتلحينا

قصيدة .. نغم في زي فاتنة

من الغواني فأنشد يا مغنينا

وهذا التأنيث للقصيدة ومزجها بصفات المرأة كان شائعا في أشعار المتأخرين، خصوصا في ختام مدائحهم، وكلنا يذكر خاتمة ابن رازك المشهورة:

أُمَكِّنُهُ مِــــن بكرِ شِعرٍ خَريدَةٍ            نَتيجَةِ فِكرٍ سَلسَلِ الطَـــــــــبعِ جَيِّدِ

عَروبٍ عَروسِ الزِيِّ أَندَلُسِيَّةٍ           مِنَ الأَدَبِ الغَضِّ الَّذي رَوضهُ نَدي

ويلاحظ وجود تناص داخلي بين نصوص المدونة الوجدانية، سواء على مستوى بنيتها الدلالية (تردد مفردات المعجم الوجداني، حضور الطبيعة كإطار لخلفية النص، المنحى الابتهالي لصوت النص)، أو على مستوى بنيتها الإيقاعية. ولعل ظاهرة هذه الحوارية بين نصوص الديوان ترجع إلى صدور هذه القصائد عن تجربة وجودية وفنية شبه ثابتة، هو ما جعلها تتقاطع وتتناسخ في بنياتها الدلالية والفنية، وربما تصدق هذه المصادرة على الشعر العمودي، الذي هو بطبيعته شعر ذاكروي، تشده إلى جماليات نصوصه المركزية أواصر التناص والمحاكاة.

ومن المعروف أن مسألة النمو داخل القصيدة تثير إشكالية جمالية وقرائية، فبعض الشعراء يبني القصيدة على نموذج درامي قصصي، كما هو الأمر مع نصوص قصيدة الحداثة عند السياب وآدونيس ومحمود درويش…، وفي هذا التشكل العضوي للنص الشعري، يمكن رصد متواليات النمو الداخلي، وهي محمولة على حلقات المسار السردي وعلى إيقاع الزمن الداخلي للنص، بينما مالت نصوص دواوين أخرى إلى النمو بالتداعي الحر، وتسجيل الدفقات الشعرية كما تواردت لحظة الإبداع، دون معالجتها بتقنية الدمج والمسرحة. وإلى هذا النموذج انحازت قصائد البابطين، التي اختار لها الشاعر أن تتشكل كبوح شعري حر، يتدفق معينه من تيار وجداني مباشر، تكثفت فيه أزمنة الوجود بكل حمولاتها المتباينة والمتصارعة.

ويمكن القول إن البابطين في ديوانه ” مسافر في القفار” اختط لتجربته منحى متميزا جعل من الصعب تسجيله ضمن خانات التصنيف الأكاديمي للمذاهب الشعرية (الاتجاه الكلاسيكي، الرومانسي، شعر التفعيلة)، فمن وجهة نظر التشكل الإيقاعي تتخذ القصيدة النموذج الخليلي إطارا لتجربتها، مع رفده بمؤثرات ذات روافد مختلفة (الموال الشعبي، الموسيقى المحلية، الابتهالات الرومانسية)، ومن جانب التبنين الدلالي، فأن القصيدة البابطينية تقترب من النموذج الرومانسي دون أن تلتحم به، فهي تحافظ على وجود مسافة منه، على مستوى معجمها الملفت للانتباه ببساطته وقوة سبكه وارتباطه الشديد بالمرجعية المعجمية الفصيحة، وبالإنبناء النحوي السليم.

ولعل الأكثر دلالة في هذا الاختلاف هو توظيفها للطبيعة كخلفية للنص دون ربطها بدلالات رمزية معقدة كما هو الأمر عند أبي القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي.

ويبدو أن الشاعر البابطين قد وجد في تعامل الشاعر الأندلسي مع الطبيعة نموذجا أقرب إليه من الطبيعة الرومانسية الوافدة من آدابها الغربية إلى الديار العربية.

وهكذا يلمح القارئ حوارية خفية أو صريحة بين وجدانيات الديوان وقصائد ابن خفاجة وابن زيدون……

لكن قصيدة البابطين تكشف عن خصيصة فارقة مع القصيدة الأندلسية في توظيف الطبيعة واستحضارها، قوامها باختصار، عدم التركيز على البعد الحسي في هذا الاستخدام، وإنما يتم تناول عنصر الطبيعة في تشكيل الإطار الزمكاني للحظة الإبداع، ومن ثم يفيض عليها الشاعر من وجدانه وتداعيات لحظته الشعرية.

وفي الختام، يمكن القول إن قصيدة البابطين قد نجت من أزمة الإبداع الشعري العربي الحائر بين الأخذ بتجربة بلا تجريب، أو الاندفاع وراء مغامرة الحداثة، التي هي تجريب بلا تجربة، فقد حسم البابطين أمره، وقرر أن يعيش بشعره محلقا بشموخ في جلدة بني قومه، وهو ما منح شعره نكهة التراث، وطراوة التجربة الإنسانية وعنفوان الحياة الجامح.

معالم في طريق كتابة هذه الصفحات:

لقد رجع هذا العمل واستأنس بالمراجع التالية(بدون ترتيب وتفصيل ):

ديوان مسافر في القفار 2004، طباعة مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين

شعر الطبيعة في الأندلس في دواوين ابن خفاجة وابن زيدون وغيرهما.

بعض دواوين الشعر المعاصر لإيليا أبي ماضي والسيابي وآدونيس، إلخ.

ضبط بعض المفاهيم النقدية والفلسفية اعتمادا على معجم لاروس الفرنسي.

بقلم :

أحمدو لكبيد محمدو Ahmedou Lekbeid Mohamedou

أستاذ باحث بجامعة نواكشوط العصرية (معهد تدريس اللغات الحية)، موريتانيا، عمل مفتشا للغة العربية بوزارة التهذيب الوطني في موريتانيا، له عدة مقالات وبحوث في مجال اللغة العربية وآدابها، وفي المجال التربوي وغيرها منشورة في الدوريات الوطنية والعربية.


www.anhaar.com


|
مزيد من الاخبار
أمسية شعرية مشتركة بين أكاديمية البابطين للشعر العربي والبيت الثقافي العربي

إصدارات مؤسسة البابطين الثقافية في معرض الكويت الدولي للكتاب

مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية بالتعاون مع إذاعة صوت العرب من القاهرة تعلن أسماء الفائزين بالمسابقة الشعرية للموسم الخامس

أكاديمية البابطين للشعر العربي أحيت أمسية شعرية نقدية

عبدالعزيز سعود البابطين يستقبل رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر مورير ويسلمه دعوة لحضور المؤتمر العالمي للسلام في محكمة العدل الدولية بلاهاي

غياب مؤثر لصديق المؤسسة الرئيس السوداني الأسبق عبدالرحمن سوار الذهب

عبدالعزيز سعود البابطين يشارك في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الثقافة

رئيس المؤسسة في كلمة ألقاها نيابة عنه الأمين العام عبدالرحمن خالد البابطين: حدث يتجاوز مجرد الحوار والتواصل نحو الفهم وبناء ثقافة جامعة

جامعة (ليدن) الهولندية تنشئ مركز البابطين للثقافة العربية داخل حرمها

مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية تحضر لإطلاق مركز للثقافة العربية في جامعةلايدن بهولندا

بدء التسجيل في الموسم الثاني من "دبلوم الإبداع الشعري" بالتعاون مع الأكاديمية العالمية للشعر في إيطاليا

  شاعر الاسبوع
§ شاعر الأسبوع أحمد بشير العيله

أحمد بشير العيله (فلسطين). ولد عام 1966 في رفح. حصل على بكالوريوس فيزياء من كلية العلوم ـ جامعة قاريونس 1990 .دواوينه الشعرية: بدأ النخيل 1991. أولُ قُبله ... أولُ نافذةٍ أشرعها في جسدِ الروعة ...المزيد



جميع الحقوق محفوظة 2012 - مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري

الصفحة الرئيسية | اتصل بنا | خريطة الموقع